هولاكيات

قصص قصيرة و خربشات علمية

Tag Archives: دراخول

مارقة الليل

مقدمة الكاتب

الكثير من الأفكار صالحه للكتابة مهما كانت غريبة و في أي مكان و في أي زمن, و في قصتي هذه قدمت شخصية أسطورية معروفة للعديد  و وضعتها في مكان غريب في أحد الأزمنة العريقة التي لم يتعود القارئ على وجود هذه الشخصية الأسطورية في مثل هذه الحقبة و قمت بتغيير الشخصية قليلاً كي تلائم ذلك الزمان و المكان, فقط لا تجعل هناك حدود لخيالك.

مارقة الليل

رفرف طائر ضخم بجناحيه في قوة و أسقط من فمه قطعة من الحجر  أمام شاب طويل القامة في مقتبل العمر يتجاوز عمرة الثلاثمائة سنه ذو شعر أسود طويل و كثيف و يحمل وجه ذو قسمات ثاقبة,  تدل عضلات جسده البارزة أنه يمارس الصيد منذ فترة طويلة , أطلق الطائر  زعيق حاد و رفرف بجناحية الذي يبلغ طول الواحد منها قرابة الخمسة أمتار ثم أرتفع في الجو و هو يطلق  زعيقه الحاد ثم أنطلق بعيداً حتى توراى عن الأنظار, أمسك الشاب قطعة الحجر و أخذ يقرأ ما رسُم عليها فسمع صوت يأتي من خلفة فألتفت فشاهد شخص مقارب له بالعمر ملتحي و يمتلك شعر طويل مجعد و جسد ضخم , فقال ذو الشعر المجعد بصوت عالي:

ماذا هناك يا هرير؟ لقد شاهدت البتيرانودون يحلق هنا!

قال له هرير مجاوباً  شهتر في هدؤ :

نعم يا شهتر, لقد كان يحمل لي هذه الرسالة.

ثم لوح بيده التي تحمل قطعة من الصخر مؤشراً لشهتر ثم جلس على الأرض و هو يقرأ الرسالة التي تحمل الأنباء  التي  أرسلتها له والدته وما أن أنتهى من قرائتها حتى أطلق ضحكة عالية فسئلة شهتر في فضول:

ماذا حملت لك الرسالة؟

قال في مزيج من السخرية و الأعجاب:

لقد هاجم تيرانوسورس المزرعة,  لكن الشيخ الهرم مخايفر الذي عاد مؤخراً من رحلته  قد تصدى له هو و فاهرة  و تخلصا منه, هذا المسن لازل يحتفظ بكامل بقواة.

فغر شهتر فاة في ذهول و قال غير مصدقاً ما سمعه:

قتلا  تيرانوسورس بمفردهما ؟! يا آلهي والدك لايزال  أفضل و أشجع رجل في الوجود…

ضحك هرير و أخذ يتجهز لأكمال المسيرة في حين كان شهتر يتحدث عن الأخطار المحدقة بهما في هذه المنطقة المليئة بالغابات الكبيرة, فمضا في الطريق حتى وصلا نحو منطقة واسعه فمشيا فيها حتى شاهدا منظر غريب أثار أستنكارهما, فلقد كان هناك و على بعد خطوات معدوده عدد كبير من ديناصورات الأناتوتيتان و قد تكومت على الأرض و الدماء مساله في كل مكان و قد قتلت في وحشية ضارية, و أشلائها منثورة في كل مكان, أخذ هرير بتفحص الجثث المبعثرة في كل مكان  في حين تمتم شهتر في أستغراب: من المؤكد أن هذا من عمل التيرانوسورس, ربما يوجد أحدها في الجوار.

قال له هرير و هو يتفحص الجثث في أهتمام:

هذا مستحيل!! الجثث مقتولة في وحشية و خالية من الدماء و لكنها لم تؤكل على الأطلاق, و الطاغية لا يقَتل إلا من دافع الجوع, و من المستحيل أن يتغاضى عن أكل حفنة من الطعام….

ساور شهتر أهتمام غريب و سأل هرير في حيرة:

إذاً من تظن أنه السبب في هذه المجزرة؟

قال له هرير شارداً:

لا أعلم في الحقيقة لا أعلم…..

ثم أشاح بوجهه نحو غروب الشمس و قال :

لنكمل المسير فالشمس قد أوشكت على الغروب.

أومأ شهتر برأسه إيجاباً  ثم واصلا مسيرتهما حتى ساد الظلام المنطقة  و بدأت أشعه القمر بالتسلل عبر أوراق الأشجار و فروعها, فتوقفا و حطا الرحال و أستلقى هرير على الأرض في أعياء في حين جلس شهتر على الأرض قليلاً ثم وقف و هو يتجاذب أطراف الحديث مع هرير الذي مازال مستلقياً فقال شهتر:

سأقوم بالأصطياد  لتحضير طعام العشاء.

قال له هرير في أعياء :

حسناً سأمكث قليلاً ثم سأقوم لمساعدتك في تحضير العشاء.

أدار شهتر ظهرة و مضى في طريقة للصيد , كان هرير مستلقياً على ظهرة يشاهد النجوم في السماء في منظر رائع  , و فجأة مرّ ظل ضخم في سرعه مخيفة من فوق رأسه متجهاً ناحيه شهتر فصرخ هرير لا أرادياً:

شهتر! أنتبه!!!

أمال شهتر جسده جانباً و شعر بالدماء  تتفجر من كتفة بعد أن أنقض عليها الكائن المجهول  الذي تعدى شهتر ثم أستدار  راجعاً , لوهلة لم يتحرك هرير ساكناً من هول المفاجأة و لكن سرعان ما تمالك نفسة و وثب قائماً و هو يحاول أن يعرف هوية هذا المجهول الذي يهاجمهم في ظلام الليل , و بان له على ضوء القمر الخفيف شبح جسد رجل ضئيل منحني ذو شعر طويل يمتد إلى ساقيه, , هجم الغريب على شتهر الذي حاول أن يتجنبه لكن المجهول  أنقض على كتف شهتر و غرس أنيابة في قوة على مكان الجرح و أخذ يمتص الدماء في مشهد مخيف في غاية الرعب , تماسك هرير في تلك اللحظة  و أستل هراوتة الضخمة و لوّح بالهراوة الحجرية بكل مايملك من قوة  وأنقض بها على رأس المجهول الذي سرعان ما تخلي عن شهتر و تفادى هراوة هرير في مهارة مذهلة, ثم قام بأطلاق صرخات جنونية و أنطلق راكضاً في مسار متعرج, و سرعان ما توارى عن الأنظار في الظلام,  فألتفت هرير إلى شهتر الذي بدأ يلهث بصوت مسموع جراء ما فقده من دماء و شاهد تحت ضوء القمر الدماء وهي تنزف من الجرح الغائر فمزق هرير قطعة من لباسة و ضمد بها كتف شهتر الذي قال في صوت واهن:

هرير أتركني هنا و سارع بالهرب, نحن نواجهة أخطر مخلوق على وجه الطبيعة…… لقد سمعت الكثير من الحكايات عنه  ولم أعتقد أنني سأقابله يوماً  ما…

قال له هرير في جزع:

ماذا؟ ماذا تعني يا شهتر؟؟؟ من هو هذا المخلوق؟ وماذا سمعت عنه؟

قال له شهتر في أعياء:

أنه كائن موجود منذ الأزل……  يعيش على أمتصاص دماء ضحاياه…… كائن أسمه…. دراخول.

سقط شهتر في غيبوبة بعد أن لفظ الأسم نتيجة للدماء التي فقدها, فجلس هرير القرفصاء قريباً من شهتر و عقد ساعديه أمام صدره و الغضب يكسوا ملامحه, وظل ساهراً  للمراقبة و الحراسة حتى أشرقت  الشمس و هو لايزال على نفس الجلسة….

صدرت حركة خفيفة مصحوبة بأنين خفيف فألتفت هرير إلى شهتر الذي أستعاد وعيه  منذ برهه بسيطه, حدق شهتر في الشمس التي توسطت كبد السماء بإعياء ثم سأل هرير بلهجة مستنكرة:

رباه….. الوقت الآن الظهيرة و لا زلت أشعر بأنهاك شديد.

رد عليه هرير بأقتضاب و هو منهمك بعملاً ما:

هذا طبيعي نظراً لما فقدته من دماء.

رفع شهتر جزئه العلوي قليلاً و هو يحاول أن ينظر إلى ما يفعله هرير و قال بأستغراب:

ما ذا تفعل يا هرير؟

رد عليه هرير و هو  لايزال منهمكاُ في عمله:

أحتاج إلى سلاح للتصدي لهذا الكائن الغريب الملقب بدراخول.

 لوهله لم يستوعب شهتر ماذا يعني هرير حتى مر شريط ذكريات الليله الماضيه سريعاً في ذهن شهتر فأتسعت عيناه في غضب مكبوت ثم حاول النهوض و هو يستطرد في غضب عارم:

 هل أنت بكامل وعيك يا هرير؟ هل رأيت كيف يتحرك و كيف سرعه أنقضاضه على ضحاياه؟ لولا سرعه أستجابتك و دفعك لي جانباً  لأصبحت الآن في عداد الموتى, مواجهه هذا المخلوق وحيداً تعد  ضرباً من الجنون!

 هنا شعر شهتر بألم حاد في كتفه جراء محاولته للنهوض و تأوه في ألم , فترك هرير ما بيده و ساعد شهتر على الأستلقاء على الأرض و بدأ العرق يتصبب بغزارة من جسده, ثم سقط فاقداً الوعي مرةً أخرى فقال هرير مخاطباً شهتر الفاقد الوعي:

سأتخلص من هذا الدراخول و أنتقم لك…….. أعدك بذلك يا صديقي العزيز.

الغروب قد أوشك , و بدأت الشمس بالأندثار لتفسح الطريق لسماء غطتها نجوم متناثرة تسطع حول هلالٍ يسود المنطقة بهاله ضوئية باهته

جلس هرير و هو يحمل رمح صخري مدبب الطرف و بجواره  أخذت ألسنه نار صغيرة بالتراقص مع هبوب الرياح الخفيفة, و على مسافة بسيطة من هرير تراكمت كومة من أوراق الأشجار الكبيرة لتخفي جسد شهتر الضخم الذي حرص هرير كثيراً على أخفائة بعيداً عن هجوم الدراخول المجنون.

مضى الوقت في بطء شديد  تلك الليلة, حتى خيل لهرير أن تلك الليله بلا نهاية ……  راود هرير شعور غريب يحيط به و كأن هناك شخص يراقبه في الظلام  فشد ذراعه الممسكة بذلك الرمح الحجري و حاول أن يكسر ظلمة المكان بعينيه ربما …. أنقض ظل ضخم بسرعه هائلة على عنقه فأدار هرير ظهرة للخلف لا أرادياً  بسرعه خاطفة  و دفع بذراعه التي تحمل الرمح للأمام بسرعه أستجابة عاليه أكتسبها من خبرته كصياد محترف, و لكن الظل تفادى الرمح في خفه مدهشة و قفز إلى الأعلى مستنداً على ذراع هرير الممدوده إلى الأمام و التي تحمل الرمح  ثم قفز للخلف و قام بأطلاق صرخاتة بجنون, و على ضوء النار الخافت شاهد هرير جسد رجل نحيل يمتلك شعراً أبيض اللون طويل يكاد يصل إلى الأرض و عكست أشعه النار بريق ناباه الضخمان المرعبان و الجذل الذي يشع من عيناه.

أستجمع هرير قواة و قفز مرة أخرى صوب دراخول الذي قفز جانبا ثم أرتد إلى الأمام بأنيابه الحادة نحو عنق هرير الذي أنزلق في خفة تحت جسد دراخول و أدار جسده  و لكن جسد دراخول قد تلاشى في تلك اللحظة مع ظلمة المكان و لم يعد هرير يستطيع أن يحدد مكانه, فحملق في الظلمة في محاولة لسبر أغوارها و تحديد مكان دراخول و لكن دراخول نجح في الأختفاء تماما , فتصبب عرق غزير من جسد هرير و بلل شعره الأسود الغزير, فشهر رمحه أمام وجهه في وضعيه دفاعيه, و أخذ ينصت للأصوات المحطيه به و هو عاقداً حاجبيه في أصرار , فجأة لمح شبح ظل ينقض عليه من الناحية كومة من الأغصان المتشابكة, فمال جانباً في سرعه عاليه و لكن مخالب دراخول كادت أن تنغرس في ذراع هرير الذي لم يستطع أن يتفاداها تماماً فأحدثت جرح عميق على أمتداد ذراعه فأطلق هرير صرخة ألم و سقط منه الرمح و لكنه تمالك نفسه سريعاً و أستل الرمح الملقى على الأرض بيده السليمه و تراجع بحذر و هو يشاهد دراخول يطلق صرخاته المجنونة و كأنه يسخر منه.

 حانت منه ألتفاته نحو جسد شهتر المغطى  بالحشائش ألتفت بعدها إلى دراخول , ثم تراجع بخطوات بطيئة إلى الخلف و عيناه متسمرتان على دراخول  الذي كان يتقدم في بطء ناحيه هرير , توقف دراخول عن الحركة و أخذ يتشمم الهواء بطريقة غريبة تجعله أقرب للحيوان  منه للأنسان, ثم حانت منه إلتفاته إلى كومة ورق الشجر و قد ميز رائحة الدم, فتجاهل هرير و أتجه ناحيه شهتر وهو يطلق ضحكات جنونية عاليه فأنطلق خلفة هرير و لكن المسافة بينهما كانت تكفي ليغرس دراخول بيده بكل قوة  نحو كومة أوراق الشجر حتى تستقر مقالبة في جسد شهتر و هو يطلق صيحات جنونية متلهفة , و لكن قطع سيل تلك الصيحات صرخة ألم لم يسمع هرير مثيل لها و تردد  صداها في كل مكان  ….  فبدل من أن تستقر ذراع دراخول في جسد هرير الممتليء, فلقد أستقرت بين كومة من قطع الخشب المدبب الأطراف الذي أنغرس في في عده أماكن في ذراع دراخول  فتفجرت دماء غزيرة من عده مناطق في ذراعه , فأخذ يصرخ في ألم , و لم يكن هناك أي أثر لشهتر تحت كومة الورق تلك.

كانت تلك فرصة هرير الوحيده, فرمى الرمح الذي يحمله بذراعه بكل قوة نحو دراخول, فأنغرس الرمح في ظهر دراخول و أستقر في جوفة ناحيه القلب , فأطلق دراخول شهقة عالية و كأن جسده يستنكر ماجرى له, و جحظت عيناه في شده ثم أنهارت قدماه و سقط على الأرض بعد أن أصابه هرير في المقتل, لوهله لم يصدق هرير أنه فعلها أخيراً فأقترب من دراخول الذي أستكان جسده تماماً فتنفس هرير العداء و أستلقى على الأرض وهو يلهث في عنف حتى أنتظمت أنفاسه فصرخ في سعاده:

لقد فعلتها!! لقد أنتقمت لك يا صديقي و تخلصت من هذا الوحش للأبد.

ثم قام و أخذ غصن مشتعل بالنار و سار ناحيه كهف يبعد مسافه عن المكان الذي واجه فيه دراخول ثم أزاح حجر ضخم كان يسد مدخل الكهف و دخل ليشاهد شهتر و قد أستيقظ و ما أن شاهده حتى أبتسم في ثقة و قال :

لقد فعلتها يا شهتر… لقد قتلت دراخول و هو الآن في عداد الموتى!

أطلق شهتر ضحكة مجلجلة و قال بصوته الغليظ:

هذا ليس غريباً….. فأنت أبن مخايفر و فاهرة على كل حال ها ها ها.

ضحك هرير ثم أخذ يصف ما جرى له و كيف تصدى لدراخول حتى غرق في نوم عميق من شدة تعبه , فأبتسم شهتر و هو يشاهد صديق عمرة يغط في نوم عميق , و ما أن أشرقت الشمس حتى أستيقظ هرير و أستعدا للرحيل من هذه المنطقة,  ليبدأوا رحلة جديدة و مغامرات لا تنتهي في عالم تسوده الوحوش الضارية.

و هناك…. على بعد مسافة كان هناك رمح ملقى على الأرض و بجواره تكومت جثة ديناصور من النوع الآكلات الأعشاب و قد خلت الدماء من جسدها تماماً و لم يعد هناك أي أثر لجثمان دراغول أو جسده.