هولاكيات

قصص قصيرة و خربشات علمية

Tag Archives: بئر

ثأر الرمال

مقدمة:

هذه هي القصة الأولى التي كتبتها بالتعاون مع الكاتبة المبدعة ميز و هذي هي مدونتها

http://maze14.blogspot.com/

و في الحقيقة أريد الأستمرار في التعاون مع هذه الكاتبة في المستقبل القريب

و لقد قمت بتغير النهاية في نسخة مدونتي بعد أخذ رأي ميز حتى أضيف القليل من التغيير على القصة

ثأر الرمال

×××
قال:
–          لقد أعطيتك كل ما أملك, و الآن و أنا على فراش الموت أريد أن أسئلك ماذا كنت تريدين أكثر من هذا يا ترى؟
قالت:
–          لا أريد كل ما تملك, كنت أريد قلبك فقط.
قال:
–          لقد كان ملككِ منذ دهور …. منذ اليوم الأول الذي قابلتكِ فيه.
×××
الشمس، هي كالحياة تماما…
لها أوجه عدة، ومزاجات متقلبة.. لها دفؤها وحرقتها…
الشمس واحدة، ومع ذلك فإنها تختلف في كل مكان… ففي كل مدينة هي بحلة أهلها…في كل بقعة من الأرض لها هالتها المميزة.. تارة تبعث حرارتها حتى تذيب ثلوج القلوب، وتارة تبث دفئها بثّها للسعادة والبهجة في النفوس…
أما في جزيرة العرب، فهي شمس تكاد تلون بلون أحمر قاني، لون يشبه كثيرا قلوب أهلها…
قلوب غُلفت بأحقاد تتراكم تراكم أوراق الخريف، وآلام تولد مع أغشية الأجنة…
×××
في ظهيرة توسطت الشمس فيها كبد السماء، وتلاشت فيها الغيوم، كان السوق كعادته في كل يوم يعج بالحركة، باعة يروحون ويجيئون، أصوات تعلو فجأة ثم تختفي، مشاحنات مع الزبائن، أطفال يلعبون…
 و في خضم هذه الأحداث كانت هناك سيدة عجوز ضريرة تتجول في الأرجاء، بعصا تتوكأ عليها، ثقيله الحركة، أنفاسها ببطء  حركتها، شعرها الأبيض ينسدل تحت شالها الأسود..  بثياب أهلكتها الأيام، وسنين أغبرها التعب..
تمشي في ديار لم تعرف أزقتها وشوارعها، متعثرة ببعض الحجارة في الطريق, بحيرة تتخلل كل خطوة…
كان انزعاجها من الأصوات جليا على ملامحها، كان هناك رجل واقف على جانب الطريق.. ضخم الجثة، كث الشارب واللحية، بتجاعيد شكلت ملامح وجهه.. فتوقفت لوهله على مقربة منه و أرهفت السمع قليلاً ثم قالت و هي تنظر في السماء:
–          عجوزاً ضريرة تريد المساعدة أيها العرب!
التفت إليها ورد بصوت جزل عميق..
–          نعم، بماذا يمكنني أن أساعدك سيدتي؟
–          أيمكنك أن ترشدني على بئر بني غانم الواقعه على أطراف المدينة؟  فإنني غريبة عن هذه المدينة..  و لا أملك ما يرشدني غير عصاي.
لم يحرك ساكناً للحظات ثم أمسكَ بعصاها و تقدم في صمت مطبق.. وأخذها بوقع خطوات سريع إلى مكان خارج السوق.. كانت تلاحظ تلاشي أصوات الإزعاج شيئا فشيئا… حتى توقف تحت شجرة كبيرة..
توقف عن الحركة و هو لا يزال مولياً ظهرة ناحية العجوز , ثم طقطق برأسه نحو الأرض من دون أن ينطق بكلمة واحده, فشعرت العجوز بذعر خفي و أرادت أن تنطق بكلمة واحده و لكن و قبل أن تفتح شفاها قال الرجل الضخم بصوته الجزل العميق:
–          ها نحن ذا بعيدان عن الأنظار…
توجست خيفة و أستطردت بصوت متلعثم:
–          هل وصلنا نحو وجهتنا يا أخ العرب؟ هل هذه هي بئر بني غانم؟
 ألتفت صوبها و وقف أمامها، متمثلا بعينها كما لو أنه قد جُنّ جنونه …
–          يمكنك أن تقتليني الآن يا خولة…
صمتت، ثم انقلبت عيناها كما لو كانت عينا صقر مميت .. حدت نظراتها إليه..
قالت في صوت دفين يحمل ضغينة شديدة:
–          اذا فقد عرفتني يا رعد… لم أتصور أنك ستذكرني بعد كل هذه السنين المريرة.
شرد بصره و قال بصوت شابه بعض الحزن:
–          كنت أعلم أن هذا اليوم قادم لا محالة يا خولة.
برقت عيناها في شدة
–          استعد  إذاً لتتذوق من نفس الكأس ..
أدخلت يدها في كمها ببطء، وأخرجت منه خنجرا ذو رأس شديد الحدة، ومقبض ذهبي مزخرف بزخارف سوداء.. حملته بكل ذرة حقد في قلبها.. تجسد في عينيها ماض لم يبرأ من الألم، وجرح لم يُقَدّر له الإلتام…
كان يقف بصمت يهز الجبال، وشموخ أمام زعزعة الأقدار… يحدق إليها وحسب..
تقدمت منه بحذر، حتى أنها لم تثق بأي كلمة قالها..
كانت تطيل النظر في عينيه، بانتظار أدنى إشارة تحذرها، لكنها كانت تتجاهل نورا غريبا ينبثق من عينيه.. عيناه كانتا تتوهجان بنور عجيب..
قبض على يديه بشده.. فنقلت بصرها إلى يده فتمتمت بعصبيه :
–          أتحاول أن تفعل شيئا ما ؟
أجابها في لهجة واثقة:
–          لا خولة لن أفعل أي شيء.
سألته في لهجة ساورها الشك:
–          ما هذا الذي بيدك ؟
مد يده وفتحها أمام ناظريها، أطلت على ما كان يحمله في يمناه..
كانت تميمة صغيرة كما يبدو.. خيط صغير علق عليه خرزات حمراء.. ومن صغر حلقة الخيط، بدا كأنه لشخص نحيل جدا.. أو طفل صغير السن..
لاذت العجوز بالصمت..
نظر عميقا إلى عينيها، ثم قال:
–          إنها لابني الصغير.. توفي قبل ستة أعوام، ولم يتجاوز العاشرة… علمت أنه القدر يأخذه كما أخذت ابنك رشيد بيدي… علمت أنك ستأتين عاجلا أم آجلا…
قالت له في صوت منفعل:
–          هل ترواغ لتستعطفني يا رعد؟
نكس برأسه ناحيه الأرض و قال بلهجه أثارت بعض الأطمئنان في نفسها:
–          هل أبدو لك كذلك ؟
تبدلا النظرات لثوان…
عيناها المكتحلتان بكحل أسود كغسق الليل، كانتا ذهبيتان بلون العسل، ولون النار الموقدة.. بـ تجاعيد رسمتها السنوات على تقاسيم وجه لم يعرف الا قسوة البادية…
شرارات حقد كانت تنبثق من عينيها، بقلب أسود لم يعرف النوم عشرون عاما، بسبب نار غل لم تنطفئ…
–          لقد أدركت كيف يشعر المرء عندما يفقد شيئا كان من ضلعه.. اذا فإنني أثق بأنك لن تغدر بي..
اقتربت منه بخطوات واثقة… بينما ظل هو صامتا… فقالت:
–          لطالما أحببتك و أحترمتك يا رعد… لكنني أثأر لدمه.
رفعت يدها
أغمض عينيه بشدة… و أستعد أن يفارق الحياة في هذا المكان المهجور ..
مرت لحظات و لم يشعر بأي ألم ففتح عينيه ليشاهد خولة و هي تبكي في صمت و قد عجزت عن المضي في ثأرها, ذكرى جميلة من الماضي مرت مثل الطيف أمامها و منعتها من تحقيق أنتقامها.
أخيراً قالت خولة في صوت خافت بعد أن جفت عيناها من الدموع:
– سأعفي عنك رعد, لطالما كنت الشخص المتسامح دوماً.
لم ينبس رعد ببنت شفه و هو يشعر بخنجر خفي يمزق قلبه أشد تمزيق و اكتفى بالنظر للأسفل في صمت مطبق.
ألقت بخنجرها على الأرض.. ثم ألقت عصاها… وتركته خلفها.. وغادرت.
×××
Advertisements