هولاكيات

قصص قصيرة و خربشات علمية

تحت ظلال الجاهلية

كتبت بتاريخ 20-2-2009

مقدمة الكاتب:

أخترت اليوم قصة قصيرة من تراثنا العربي, و كما هي عادتي فأنا أحاول التنويع في قصصي و بما أن تراثنا العربي يحتوي على العديد من الأحداث و المواقف التاريخية فإن تراثنا يحتوي على منبع خصب لكل كاتب متمرس, فقط تحتاج إلى القراءة و خيال جامح و …………. إلهام, و هذه القصه عبارة عن دفعه بسيطه و إلهام لبعض الكتاب الناشيئين لتبصيرهم بما يحويه تاريخنا كعرب من مواد خام صالحه للكتابة, و كيف نستطيع أستغلالها في صالحنا.
و هذا لايمنع من الكتابة عن أي تراث آخر, كل ماتحتاج إليه هو التجربة و المحاولة

تحت ظلال الجاهلية:

في الربع الأول من القرن الخامس الميلادي, كان الجهل و الضلال يسودان الجزيرة العربية, و كان القتل و السرقة أمران شائعان في ذلك الوقت, و في نفس الوقت كانت الحروب بين القبائل في أوجها , حتى كانت أرض الجزيرة العربية تفوح برائحة الموت من كثرة الدماء المسفوكة.
و في أحدى مناطق الجزيرة العربية و في خضم هذه المعارك و القتالات , كان حرب بن ضرار يقود أبناء قبيلته في حربهم
ضد القبيله المعاديه, و كان حرب من أشجع أبناء قبيلته و أشدهم بأسا, و كان له الفضل الأكبر بالأنتصار على القبيله المعاديه,
و كانت أعيان القبيله يكنون له أحترام شديد و كانت له مكانه عاليه في القبيله, و الكل يهابه.
و بعد فترة وجيزة من أنتهاء هذه الحرب بين قبيلته و القبيله المعاديه, كان حرب ينتظر عند باب بيته في أحر من الجمرلأستقبال مولوده الأول من أمرأته حفصه بنت الربيعة.
كان حرب في أواخر الثلاثينات من عمره, و كان شخص ضخم الجثة , كث الشارب و اللحيه, و لم يتزوج من حفصه إلا متأخرا لأنشغاله بهذه الحروب بين القبيلتين, و لقد كان فارسا شهما بمعنى الكلمة و كان سيفه لا يفارقه أبدا.
كان حرب شديد السعادة بقدوم مولوده الأول , فهو يريد من يخلفه و يحمل سيفه من بعده و يحمل أسمه كما حمل هو أسم أبيه, و ليعطي هذا القادم الأرث الذي يحمله .
سمع صوت بكاء المولود يتعالى من خلف أستار البيت , فشعر بسعاده هائله حتى كاد أن يرقص طربا من الفرحه, و أنتظر حتى خرجت عجوز كبيرة في السن, تطلعت فيه و سكتت.
قال حرب في سعاده بالغه و هو يلوح بيديه:
ماهي أخبار أبني و فلذة كبدي؟
لم ترد عليه و إن كانت معالم الخوف ظاهره على وجهها.
مد يده و أمسك بكتفها و صاح في وجهها :
هل حدث مكروه لصغيري ؟
تلعثمت العجوز و دارت عيناها ناحيه اليمين و اليسار, ثم تطرقت عيناها للأسفل و قالت بصوت خافت:
لقد رزقت يا حرب بفتاة…….
أعتلى غضب شديد وجهه و أصبح شديد السواد حتى كان لا تكاد ملامحه تتميز و أخذ يصرخ في وجهه العجوز قائلا:
اللعنه عليك و اللعنه على تلك المرأة الحمقاء التي تنجب لي العار.
بكت العجوز في خوف , في حين أمتطى حرب فرسه و ذهب بعيدا في غمرة غضبه.
بعد ثمان أشهر من هذه الأحداث و في الثلث الأخير من ليلة غزيرة الأمطار قام حرب من نومه و ذهب إلى حيث تنام أبنته و تطلع يها بهدوء ساكن و هي غارقة في نومها الملائكي, ثم حملها بهدوء بين ذراعيه و خرج من دارة و أعتلى فرسه و أنطلق بها و هي ما زالت نائمه , و ما أن أبتعد قليلا حتى أوقف فرسه ثم نزل عنها و هو حامل أبنته في ذراعه و هي لا زالت نائمه في سكون, تطلع فيها ببرود ثم وضعها على الأرض و أخذ يحفر في الأرض حفرة صغيره حتى أنتهى من حفرها فجلس قليلا يلتقط أنفاسه و كان مبللاٌ بقطرات المطر ثم قام و أتجه نحو الفتاة النائمه و حملها بهدوء و أخرجها من غطائها و سط الامطار الغزيرة.
فجأة فتحت الفتاة عيناها و تطلعت في أستغراب في وجه أبيها ثم أبتسمت في جذل و الأمطار تصتطدم بوجهها و هي تمد يداها نحو والدها تريد منه ان يلاعبها, كان حرب لا يزال يطالع فيها ببرود ثم دنى بها نحو الحفرة و و ضعها فيها بنفس البرود, شعرت الفتاة بالذعر فقامت بالبكاء في خوف و لكن ذلك لم يثني حرب عن فعلته فشرع بدفنها في التراب و هي ما زالت تبكي حتى توقف صوتها وما أن أنتهى من ردم الحفرة حتى أخذ يتطلع في ذلك الموضع بنفس البرود ثم أمتطى صهوه فرسه و عاد راجعا إلى الديار.
مضت على هذه الأحداث سنتان , و مازال حرب يحمل تلك المكانة العالية في قومة, كان و ما يزال ذلك الفارس المغوار الذي يحترمه الجميع. و كان يشعر اليوم بسعاده بالغة لإنه يستعد لأستقبال أبنه الأول من أمرأته حفصه التي خانته في المرة السابقه بأن ولدت له فتاة بدلاٌ من فتى, و لكن هذه المرة فإنها ستسمع لرغباتة و تنجب له ولداٌ يحمل له أسمه.
تناهى إلى مسامعه صوت بكاء الصغير فأبتسم في سعاده بالغة و أخذ يمرر يده على لحيته و هو يفكر بماذا يا ترى سيكون أسم ذلك القادم الصغير.
خرجت نفس العجوز المسؤلة عن الأنجاب و أخذت تتطلع في حرب بذعر بالغ , فتجمدت الدماء في عروق حرب و سئل العجوز في صوت يحمل نبرة شرسة:
ماذا لديك أيتها العجوز؟ هل الصغير على ما يرام؟
تهالكت العجوز و سقطت على ركبتيها و أشرعت في البكاء وهي تنظر إليه في خوف, فتملكه غضب شديد و تجاوزها و دخل على أمرأته حفصه و شاهدها تحمل المولود, فتطلعت فيه حفصه ثم أخذت تبكي و هي تضم المولود لديها في قوة, فتطلع فيها حرب في غضب شديد و كانت يده تمسك بمقبض سيفه في قوة ثم غادر المكان و شياطين الغضب تعربد في داخله .
و لم تمضي على هذه الأحداث قرابته الستة أشهر أو السبع حتى قام حرب في وقت متأخر من أحدى الليالي الحالكه السواد شديدة الظلمة لأختفاء القمر في مثل هذا الوقت من الشهر , و أتجهه نحو الطفلة النائمة في برود شديد و حملها في ذراعيه و غادر الدار و أمتطى فرسه و هو عازم على فعل ما فعله في المرة السابقة.
أوقف فرسه عند نفس ذلك المكان القديم حيث دفن أبنته الأولى و نزل من على الفرس حاملاٌ الصغيرة في ذراعه وو ضعها على الأرض في برود و شرع يحفر في الأرض حفرة صغيرة كالسابقة.
كانت فكرة أن يكون له فتاة هي بحد ذاتها غير مقبولة لدية, فهو من أشجع رجال قومه و لا يمكن أن يكون له عار يلازمه طيلة حياته, أنتهى من حفر الحفرة ثم جلس قليلا و فكر قليلاٌ كان و كأن الزمن يعيد نفسه مرة أخرى, فقام و قد طرد من ذهنه هذه الأفكار و أتجه نحو الفتاة هدوء تام و أخرجها من غطائها , و فجأة فتحت عينيها و تطلعت في وجه والدها و أخذت تبتسم.
أرتجف حرب و شعر بهلع شديد, و سقط على ركبتيه , ثم سمع صوت فرسه من خلفه و هي تجفل بصوت عال و تعالى صوتها و هي تجري بعيده , ألتفت ناحيتها بعيني غائرتين ثم أدار رأسه و هو يتطلع في وجه أبنته في خوف شديد, لقد كان يرى نفس الوجه الذي شاهده قبل سنتين, و كانت تبتسم نفس الأبتسامه التي رأها قبل سنتين, هل هي أبنته نفسها التي دفنها سابقا و هي عادت للحياه للأنتقام من والدها الذي دفنها, و لكن هذا مستحيل!!!!
أطلقت الفتاة ضحكه صغيرة و هي تظن أن والدها يلاعبها, شعر حرب بضيق شديد في التنفس مع تسارع دقات قلبه في جنون, فوضع الفتاة على الأرض و أخذ يزحف للخلف في رعب و هو يسمع ضحكاتها الخافتة, أضطربت أنفاسه و هو ينوي الفرار من هذا المكان المشؤم و لكنه سرعان ما شعر بأنقباض شديد في القلب و تهاوى على الأرض و أخذ يصرخ:
يا أخواني العرب , يا أبناء قبيلتي!!!!!! أنجدوا أخاكم!!!
و فحانت منه ألتفاته إلى مكان الفتاه و رأها فاغره فاها و هي تحرك يديها في جذل, لم يكن يسمع أي صوت في ذلك الوقت مع أضراب أنفاسه و أزرقاق بشرته فأخذ يتمتم:
لقد كنت محقا…… أنتن ……. نذير شؤم, أنتن…….. ال……شر بعينه…… عار……
كان يفكر لماذا رجعت للحياة ؟ هل هي تريد أن تأخذه معها للجحيم؟ نعم النساء هم الشر, هذه الصغيرة عبارة عن الشيطان على هيئه طفل صغير.
أستل سيفه و هو يزحف ناحيه الفتاه و أخذ يضحك في جنون و قد عزم النيه على التخلص من ذاك الشر الرابض على الأرض و ما أن أصبح قريبا حتى أنقبض قلبه بقوة فنظر في الفتاة نظرة أخيرة ثم هوى على وجهه و سقط سيفه أرضاٌ بجواره.
و لم تمضي أقل من ساعه حتى بدأت الشمس في الشروق معلنة عن بدأ يوم جديد, و كان هناك شخص كبير قادما على ظهر أبله كان أثر السفر يبدو على ملامحه و لمى كان قريباٌ سمع صوت بكاء طفل صغير و أوقف أبله و نزل و أخذ يمشي حتى توقف أما الطفل , رأي الطفل و رأى الشخص الملقى على وجهه و سيفه بجانبه فعرفه على الفور, فحمل الطفل فإذا هي طفلة جميلة, فضمها إليه لتشعر بالأمان و حانت منه ألتفاته فشاهد الحفرة الصغيرة ففهم الأمر برمته , فبكى المسن وقال مخاطبا حرب الميت:
رزقك ربك برزق فأبيت و كبرت نفسك و وددت أن تدفن أبنتك و فلذة كبدك خشية العار, و إنهن و والله ماهن بعار و لكن العار من هم بأمثالك ……. بئس ما فعلت أيها التعيس.
و مضى حاملااٌ الفتاة و هو عازم على أرجاعها إلى والدتها , و ما أن أبتعد قليلاٌ حتى أرتفعت الشمس لتضيف بعض النور على ظلال الجاهلية .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: