هولاكيات

قصص قصيرة و خربشات علمية

مليكتي

الرسالة الأولى:

مليكتي لقد قرُعت نواقيس الحرب, ورفعت رايات القتال, و الجيش على أهبة الأستعداد للمغادرة تحت هدير الطبول و صهيل الخيول, غداً سيبدأ الجيش مسيرتة نحو نهر السند العظيم تحت أوامر سيادتك  يا مليكتي.

مليكتي أنا مجرد جندي بائس شائت الأقدار أن ترمي بي في ساحه الحرب و براثن المعركة في أول أيام ألتحاقي بالجيش, و لكن روحي و جسدي و سيفي كلها فداء لمليكتي و لو شائت مليكتي سأجتاز البحار السبعه و الصحاري الرمضاء…

مليكتي غداً سأوّدع هذه الأرض الطاهرة و سأوّدع وجهك الملائكي الجميل في رحلة ربما تكون الأخيرة  في حياتي و كلي رجاءً أن تصلك رسائلي هذه التي  سأستمر في كتابتها و أرسالها إليك يا مليكتي حتى تكوني على أطلاع بما يحدث  لجيشك العتيد و لتعلمي عن أحوال جنديك المخلص المقاتل الصنديد.

الرسالة الثانية:

مليكتي نحن الآن على مسيرة ثلاثة لياليً من نهر السند العريق. و الأنباء تتحدث عن أستعداد جيش العدو لمواجهه جيشنا العظيم.

مليكتي الطريق  مليئة بالغابات و الحقول الجميلة و الأزهار كست جانبي الطريق في منظر بديع يخيل للناظر أنها تدعو الجيش للسلام و تثنيه عن طريق الدماء الماثل أمامه , الأرض ترحب بالمحاربين حتى  خيّل لهم أنهم ذاهبون إلى نزهة نحو البرار الفسيحه,  الطيور تحلق في السماء فوق رؤوس المقاتلين و تغني بأعذب الأصوات و تتغذى من فتات الطعام الذي يلقي به الرجال هنا و هناك.

مليكتي قريباً سيبدأ الصِدام, و تلاحم السيوف, و رفع الفؤوس, و قرع التروس, و إجتزاز الرؤوس, و نحر الأعناق, و تثكل الأمهات, و ترمّل الزوجات, و ترفع رايات المنتصرين في السماء, و سيكتب التاريخ عن هذه المعركة, و سيخُلد أسمك بين صفحاته و تنساب شذى روحك بين طياته.

الرسالة الثالثة:

مليكتي المعركة في أوّجها, و القتال ضاري بين قواتنا و قوات العدو,  التي تفوق قواتنا بمراحل من ناحيه السلاح و العتاد و حتى الأعداد, ويكاد جيشهم أن يطبق علينا  بفكيه , العديد من الجنود سقطوا قتلى أو جرحى و توالت هجمات العدو و غاراتهم على ثكنات الجيش, و أستولوا على العديد من المؤن  و قاموا بتسميم المياه.

مليكتي أصبح الجيش في حالة يرثى لها مع تزايد حملات العدو على جيشنا و غاراته المميته و بدأ بعض الجنود بالأنسحاب و التراجع و بدأت صفوفنا بالأنشقاق و التصدع, و بدأت عزيمة الرجال في الترّنح  و التراخي …

مليكتي أكاد أقسم بأني أرى الموت بأم عينيّ, شارعاً بردائه  الأفق, مقبلاً نحو ساحة المعركة في لهف و ذراعيه مفرودتان في جذل و عيناه تبرقان في عطش و ناباه تبرزان في نهم…

مليكتي سيكون من الصعب أرسال الرسائل من الآن فصاعداً لذا فإذا توقفت رسائلي فأعلمي أني قد فارقت الحياة, و لبست رداء الأموات, و عانقت الأرض عناق الأحباء, و حلقت روحي نحو السماء , من أجل مليكتي  حياتي تضحيه و فداء.

الرسالة السادسة:

مليكتي لم يبقى من جيشنا العظيم إلا من رحم الخالق, و لقد مزق العدو صفوفنا مثلما يمزق النسر سرب من البجعات…

مليكتي لقد أنسحب  من بقي على قيد الحياة من الجنود و لكن هذا الجندي التعيس أصيب في أحشائة , و أنسل الرمح  من بين أضلاعه و فاض دمه مدراراً, وترى جسده على الأرض طريحاً و قبره بات وشيكاً.

مليكتي قريباً سيعود جيش الأعداء نحو ساحه المعركة ليجهز على من بقي على قيد الحياة و رسالتي هذه ستكون آخر رسالة  أرسلها لكِ يا مليكتي و بعدها سأكون في عداد الأموات بين أحبّتي و أخواني, بين أهلي و أصدقائي, أما في الفردوس و أما في النارِ , أنتظر ضربة عدواً تأخذني إلى الخالق البارىء.

الرسالة السابعة:

مليكتي ها أنا ذا حي يرزق, أكتب إليك هذه الرسالة بعد أن هربت من براثن العدو, أتنفس نسيم الصباح بعد أن قبلت الأرض قبلة الوداع…

مليكتي لن تصدقي ما حدث لي بعد أن تكفنت برداء الأموات , و بعد أن لفظت صلاتي الأخيرة و ذرفت دموع الوداع, فالباقي من الجنود قد ولّوا وجوهم شطر البلاد و أبتعدوا عن ساحه المعركة  و أنا ملقى في ساحه المعركة أنزف الدماء في أنتظار الموت الوشيك بضربة فأس من الأعداء, و لكني تفاجأت بهذا الرجل المجهول, الذي أقبل وحيداً إلى ساحه المعركة, هل هو صديق أم عدو لا أعلم في الحقيقة ولكن ما أن رآني طريحاً حتى سارع في إيقاف النزيف, ثم حملني على كتفة وسار بي بعيداً عن أرض المعركة, أشرت له بأن رفقائي سلكوا طريقا بعيدة وأنه من الأفضل أن يتركني وحيداً و لكن الرجل لم ينطق بكلمة واحده و تابع المسير وهو يحملني على كتفة و  سلك طريقاً جبلية و أنا أحاول جاهداً أثنائه عن حملي و لكنه أبى في شهامة  أن يترك جريحاً يموت وحيداً طريحاً , حتى إذا تجاوزنا الجبل و جدنا الباقي من الجيش في الناحية الثانية و بعد أن ألتحقت بهم غادر الغريب المكان ولم يعد له أثر بعد هذه الحادثة, لعمري أريد أن أشكرة على عظيم صنيعه, و لعمري أني أدين له بحياتي ما بقيت حياً.

الرسالة الثامنة:

مليكتي هذه آخر رسالة أستطيع أن أرسلها إليك, فهذه الحمامة الزاجلة هي الأخيرة الباقية في الجيش, و نحن على مسيرة يومان من أرض الوطن و الأخيار….الأشتياق بلغ مني مبلغة لرؤية وجهك العفيف و ملامحك الحسان الذي تهتز لها الخلجان و أن أروي ظمأ عيناي برؤية أبتسامتك الساحرة التي تخلب الألباب, و سماع صوتك الذي يأسر الأفئدة……

مليكتي لازلت أتذكر ما حدث لي في أرض المعركة, و أتذكر ذلك الغريب المهيب , و أتسائل في قرار نفسي هل ما حدث كان حقيقة أم خيال, وهم أم هذيان, هل كنت أعيش في حلم يائس لرجل في سكرات الموت أم أصدق ما رأته عيناي..

مليكتي … بدأت أشعر بثقل رأسي, و عنف نبضات قلبي, و الوهن يدّب في أطرافي, و الخدر يسير في أناملي, و الحمى ترجف جسدي, لذا فإلى لقاء قريب …… يا مليكتي.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: